عندما كنت أخشى المطر

إنه فصل الخريف في موطني -السودان- وذلك يعني الكثير والكثير من الأمطار، فـ السودان ينعم بمعدل أمطار ممتاز، المشكلة ليست في الخريف بل فيَّ أنا فمنذ أن كنت في سنٍ صغيرة فقد كان فصل الخريف فصل رعبٍ بالنسبة إليّ وذلك لسبب واحدٍ؛ لأنني كنت أخشى صوت الرعد وأشكال البرق التي تلوح وتتلاشى في السماء الداكنة.

وكنت أظن لشدة الدلال الذي كنت فيه أنه عندما تصدر السماء صوت رعد سيأتي البرق ويختطفني ويأخذني إلى مكانٍ مجهول لا أعرف عنه ولا منه شيء ولا يوجد به أحد ليهتم بيَّ؛ لذا فكنت أحتمي بأسوار أبي الآمنة والدافئة.

استمرت حالة الرعب تلك إلى أن جاءت ليلةٌ عاصفةٌ مشحونةٌ بالأمطار الغزيرة في موسم الخريف الثامن الذي أشهده في حياتي، وكانت هنالك مناسبة في الدولة ألا وهي “عِزةُ السُودَانِ” وهي تُجبِرُ الشبابَ على التدريب والخدمة العسكرية الإلزامية -سابقًا- وقد حان موعد تخرج أخي من المعسكر التدريبي، وفي يوم التخرج يقام احتفال جمهوري كبير يحتوي على عدد من الفعّاليّات الاستعراضية.

ذهب للاحتفال كلٌ من أبي وأمي -أعطاهما الله العافية وتمام الصحة- وأختي الصغرى وأخواتي اللاتي تكبرنني عمرًا ما عدا واحدة لم تذهب؛ لأنها كانت قد أنجبت طفلتها الأولى حديثًا، ومن المتعارف عليه في السودان أن المرأة عندما يحين موعد ولادتها لجميع أطفالها فإنها تأتي إلى بيت الأسرة وتعود بعد ذلك إلى بيتها.

حسنًا إنها الثامنة مساءًا وهي تُمطر الآن، وأنا أهاب الرعدَ والبرقَ، كنت مختبئًا بالقرب من أختي وطفلتها ليس طلبًا في شيءٍ سوى توفير بعض الأمان -كما أظن- حان موعد عودة أهلي إلى البيت وذهبت أختي إلى البقالة التي بالقرب من منزلنا لتحضر بعض المشروبات للضيوف العائدون من ذاك الاحتفال اللعين رفقة أهلي.

حسنًا لقد ذهبت وتركتني وحدي أنا والطفلة حديثة الوجود في هذا العالم القاسي، أصبحت خائفًا جدًا عندما أدركت أن الجدار الذي أحتمي به من الرعد والبرق في غياب أبي -أختي- لم يعد موجودًا فمن لي الآن؟ -هكذا سألت نفسي- وحَدَثَ ما لم أكن أتمنى حدوثه ولو في أحلامي فانقطع التيار الكهربائي وازداد خوفي أكثر وأكثر، جلست في هدوء بالقرب من الطفلة لا أحرك ساكنًا، مترقب للحظة التي يُفتح فيها باب الغرفة مبشرًا بعودة أختي، ولكن.. ها قد أتت صرخة رعدٍ من تلك السماء الداكنة لم تسمع أذني مثيلٌ لها قط وأضحى البرق يرسم بعشوائيةٍ خطوطه المتعرجة، حينها تحول عالمي من بنفسجي إلى أسودٍ حالك السواد عالم مملوء بالخوف ولا شيء غير الخوف.

أدركت حينها أن البرق في الطريق إليَّ لأخذي من هذا الذي أنا فيه، فأغمضت عيناي وأمسكت بطرف السرير أنتظر قدومه، ولكن.. لم يحدث شيء ففتحت عيناي ونظرت للطفلة كما نظرت يمينًا ويسارًا في الغرفة المظلمة ولم أجد شيئًا قد تغيير فأدركت أن البرقَ لا يريد اختطافي فـ ها أنا وحدي بلا حصن ألجأ إليه ولم يحدث ليَّ شيءٌ.

بعد لقطة الرعب تلك بلحظاتٍ فُتح باب الغرفة منذرًا ومُبشرًا بعودة أختي ومعها بعض المشروبات وأشياء أخرى وهي مبللة بالكامل وملطخة بالوحلِ فارتسمت على وجهي ابتسامةُ أمانٍ وانتصارٍ في نفس الوقت فـ ها أنا قد تغلبت على أعتى مخاوفي في ذاك الزمان.

تذكرت هذه القصة لأنني سمعت صباح اليوم صرخة رعد مدوية لقوتها وشدتها أيقظتني من نوم عميقٍ كنت فيه.

مضت عشرة أعوامٍ أو أكثر على تلك الذكرى وعلى ذاك الانتصار العظيم الذي حققته وتعلمتُ الدرس الذي فحواهُ:

“إننا لا نخاف من الأشياء ولكننا نخاف من أفكارنا وتصوراتنا عنها”.

 حينها تحديدًا لم أكن أهاب المطر بل أخشى تبعاته من رعدٍ وبرقٍ واختطافٍ إلى عالم مجهول، وأنا الآن رفيق للخريف ولأمطاره، وكلما بكت السماء غيثًا وقفت بالخارج لأتلذذ بأولى قطراته الباردة واللطيفة.

حقوق الصورة

الإعلانات

فكرتان اثنتان على ”عندما كنت أخشى المطر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.